رابحة الغندري: أستاذة محاضرة بكليّة الحقوق والعلوم السّياسيّة بتونس - جامعة تونس المنار.
1- أصبح تزايد عدد الضّمانات المُشترطة عند التّعاقد ظاهرة متفشية في جلّ العقود2 عموما، وفي عقد القرض خصوصا. فالخشية من خراب الذّمة الماليّة للمدين التّلقائيّ أو المفتعل للمُقترض جعل المُقرض يُجاهد في سبيل الحصول على المزيد من الضّمانات.
وقد استقرّت الأعراف البنكيّة على الجمع بين عقد التّأمين على حياة المقترض والتأمينات بنوعيها العينيّ والشّخصيّ. غير أنّ المفارقة في تعدّد هذه الضّمانات تكمن في أنّه بقدر ما يوفّره هذا التعدّد من مزيد فرص لتعزيز حظوظ المُقرض في استخلاص دينه، بقدر تمكينه المقترض من أسباب التّلدّد في أداء ما عليه، من خلال الدّفع بتفعيل ضمانات قبل الأخرى أو دونها. ولقد سنحت الفرصة لمحكمة التّعقيب لتتناول إشكاليّة تعدّد الضّمانات في القرار التّعقيبيّ عدد 35189 المؤرّخ في 3 مارس 2017.
2- تتمثّل وقائع القضيّة في إبرام عقد قرض وعقد كفالة لضمانه. ونظرا إلى تخلّف الكفيل عن سداد المبلغ المتخّلد بذمّة المدين الأصليّ المتوفي، رغم التّنبيه عليه في قائم حياته، طالب المُقرض إلزام الكفيل بأداء الدّين المكفول. أصدرت المحكمة الابتدائيّة بسوسة حكما بإلزام الكفيل بأن يؤدّي للمُقرض المبلغ المطلوب وأيّدتها في ذلك محكمة الاستئناف. فتمّ تعقيب القرار الاستئنافيّ بناءً على مطاعن أهمّها عدم تعرّض محكمة الاستئناف إلى الدّفع المقدّم والمتمثّل في تضمّن عقد القرض موضوع الكفالة شرطا يقضي بإلزام المقترض إبرام عقد تأمين على الحياة لفائدة المُقرض في حين كان تعويل الكفيل كبيرا على عقد التّأمين على الحياة باعتباره ضمانا يخوّل له الرّجوع على شركة التّأمين. لذلك تمثّل المشكل القانونيّ المطروح على محكمة التّعقيب في معرفة تأثير عقد التّأمين على الحياة في بقيّة التّأمينات الضّامنة لدين المُقرض؟
كان ردّ محكمة التّعقيب قاطعا بانتفاء أيّ تأثير لعقد التّأمين على الحياة في بقية الضّمانات المسندة سواء العينيّة أو الشّخصيّة "التي تبقى نافذة وقابلة للتّفعيل". ولذلك قضت بقبول مطلب التّعقيب شكلا ورفضه أصلا. وبالرّجوع إلى كامل الحيثيّة المتضمّنة هذا الجواب، يُلاحظ أنّ محكمة التّعقيب بدأت بتناول مؤدّى التّأمين على الحياة، وهو منفصل عن بقيّة الضّمانات قبل أن تتناوله وهو متّصل بها.
I- مؤدّى التّأمين على الحياة منفصِلاً عن بقيّة الضّمانات
3- كانت محكمة التّعقيب أكثر جرأة من حكّام الأصل الذين رفضوا الوقوف عند الدّفع المقدّم من طرف الكفيل والمتمثّل في اشتراط عقد القرض موضوع الكفالة إبرام المقترض عقد تأمين على الحياة لفائدة المُقرض. وتبرز جرأة محكمة التّعقيب من خلال وقوفها عند هذا الدّفع أوّلا- فهي لم تتجنّبه كحكّام الأصل- ثمّ من خلال تعليل دفعها هذا الدّفع بتكييف الشّرط الذي تضمّنه عقد القرض. فقد سبق للدّوائر المجتمعة لمحكمة التّعقيب تأكيدها أنّه "لا عبرة بالأوصاف التي يضفيها الخصوم على ما ينجزونه من أعمال، إذ من حقّ المحكمة بل من واجبها، بعد عرض تلك الأعمال عليها أن تعطيها الوصف الذي يقتضيه القانون دون التفات لأقوال الخصوم"3.
وأساس هذا الحلّ أنّ إرادة الأطراف لا تلزم القاضي فيما يتعلّق بالوصف القانونيّ للعقود4 وأنّه من واجبه أن يتحقّق بنفسه من المطابقة بين القاعدة القانونيّة والوصف المُسبغ على العقد5. وفعلا، لم تلتفت محكمة التّعقيب في هذا القرار إلى الوصف المسبغ على الشّرط القاضي بإلزام المقترض إبرام عقد تأمين على الحياة لفائدة المُقرض.
4- اعتبر الكفيل أنّ التنّصيص الاتّفاقيّ المدرج بعقد القرض هو بمثابة شرط تعليقيّ "يجعل عقد القرض موضوع كفالته موقوفا على شرط إبرام المقترض المكفول عقد تأمين على الحياة لفائدة المُقرض". وهو ما يترتّب عليه تعويل الكفيل على عقد التّأمين على الحياة الواجب إبرامه من قبل المقترض المكفول باعتباره ضمانا يخوّل له الرّجوع على شركة التّأمين. فبناءً على كون التّأمين على الحياة هو "عقد يلتزم بموجبه المؤمّن في مقابل أقساط التّأمين التي يتولّى دفعها له طالب التّأمين بأن يدفع مبلغ التّأمين عند وفاة المؤمّن على حياته لمن يعيّنه طالب التّأمين المذكور"6، يستخلص المُقرض- باعتباره المستفيد من عقد التّأمين على الحياة- دين القرض من مبلغ التّأمين عند وفاة المقترض، بل وعليه ذلك.
5- لم تساير محكمة التّعقيب تكييف هذا التّنصيص الاتّفاقيّ بكونه ذلك الوصف الذي تتغيّر به أحكام الالتزام7، معتبرة إيّاه "مجرّد التزام من المقترض بإبرام عقد تأمين". يبدو من خلال هذه الحيثيّة أنّ محكمة التعقيب اعتبرت الشّرط المتنازع حوله وعدا بالتزام المقترض بإبرام عقد التّأمين. ويعود هذا الاستنتاج في فهم تكييف محكمة التّعقيب إلى ثلاثة حجج. تتمثّل أوّلها في اعتمادها عبارة "مجرّد التزام"، فصفة "مجرّد" سبق للمشرّع أن اعتمدها في الفصل 18 من مجلّة الالتزامات والعقود تحت عنوان في الرّضاء الصّادر عن طرف واحد " مجرّد الوعد لا يترتّب عليه الالتزام".
بينما تتمثّل ثانيها في عدم قيام المقترض بإبرام عقد التّأمين على الحياة، وهو تأكيد على أنّه وَعَدَ بذلك ثمّ تخلّف عن الوفاء بوعده. أمّا ثالث الحجج وآخرها، فهو جزاء التّخلف عن الوفاء بتقديم الضّمان حيث اكتفى الفصل 149 من مجلّة الالتزامات والعقود بتقرير جزاء سقوط الأجل عندما أورد "يحلّ الدّين المؤجّل إذا أعلن فلس المدين أو نقص بفعله شيء من الضّمانات الخاصّة التي كان أعطاها في العقد أو لم يعط ما وعد به منها..."8.
وبما أنّ التّأمين على الحياة هو من الضّمانات الخاصّة9، فإنّ تخلّف إبرامه يخضع لجزاء سقوط الأجل المقرّر بهذا الفصل، ولم يكن ممكنا تطبيق هذا الجزاء لحلول أجل استخلاص مبلغ الدّين بوفاة المقترض تطبيقا للفصل 150 من مجلّة الالتزامات والعقود10. لكن إذا لم يمكن لتخلّف المقترض تنفيذ التزامه بإبرام تأمين على الحياة من أثر في عقد القرض، فإنّ أثره لا ينتفي في مجمل الضّمانات التي أوجدها المُقرض لنفسه.
6- نفت محكمة التّعقيب أن يكون لتخلّف المقترض إبرام عقد تأمين على الحياة أيّ أثر في عقد القرض موضوع الكفالة، فقد جاء في نفس الحيثيّة أنّ تعهّد المقترض بإبرام تأمين على الحياة11 في عقد القرض ذاته "لا يعدّ شرطا من شروط العقد". وعليه، لا يمكن التّفكير في إبطال عقد القرض ولا عقد الكفالة التّابع له. لكن أقرّت في المقابل وجود تأثير متمثّل في "التّقليص من الضّمانات الممنوحة للدّائن" من ناحية، مع "بقاء الضّمانات المسندة سواءً العينيّة منها أو الشّخصيّة نافذة وقابلة للتّفعيل".
II- مؤدّى التّأمين على الحياة متّصلا ببقيّة الضّمانات
7- تهدف الضّمانات إلى حماية الدّائن من إعسار مدينه وتعزيز حظوظه في استخلاص دينه. وقد تتشكّل هذه الضّمانات من بعض القواعد أو من بعض الدّعاوى أو من بعض الآليات12، كما تتشّكل أيضا من التّأمينات سواءً العينيّة أو الشّخصيّة، ومن الممكن كذلك أن تتشكّل من كلّ هذه الأصناف. وتتمثّل ميزة تعدّد الضّمانات في استقلاليتها عن بعضها البعض، بحيث لا يؤثّر غياب بعضها في بقاء البعض الآخر قائما.
وهذا ما انتهت إليه محكمة التّعقيب عندما اعتبرت أنّ غياب عقد تأمين على الحياة يؤدّي إلى تقليصٍ عَدَدِيٍّ من الضّمانات الممنوحة إلى الدّائن المُقرض. فبعد تخلّف المقترض عن إبرام عقد تأمين على الحياة، لم يبق للمُقرض إلاّ عقد كفالة. والمفارقة في هذا التّقليص العدديّ للضمانات الممنوحة للدّائن تأثيرها المباشر في الكفيل الذي كان هو الآخر مُعوِّلاً على عقد التّأمين على الحياة. فلولا وجود التزام المقترض بإبرامه في عقد القرض، لما وافق الكفيل على كفالة المبالغ المترتّبة على ذلك القرض. لكن يبدو أنّ المُقرض كان معتمدا على الكفالة أكثر من اعتماده على التّأمين على الحياة لأنّه كان بإمكانه عدم تمكين المقترض من مبلغ القرض ما لم يأته بعقد تأمين على الحياة. ومع ذلك لا تثريب على المُقرض في هذا التّقاعس بما أنّ المنظور إليه في مادة الضّمانات يبقى دائما الدّائن.
8- ثمّ اعتبرت محكمة التّعقيب أنّه مهما انتقص من عدد الضّمانات التي يتمتّع بها الدّائن ابتداءً، فإنّ ذلك "يبقى دون تأثير على بقيّة الضّمانات المسندة سواءً العينيّة منها أو الشّخصيّة التي نافذة وقابلة للتّفعيل". وتكتسي هذه الحيثيّة أهميّة بالغة شكلا ومضمونا.
8-1- فمن حيث الشّكل، ارتأت محكمة التّعقيب صياغتها كمبدأ. يُعرّف المبدأ اصطلاحا بأنّه حكم عامّ يصلح لتطبيقات فرعيّة كثيرة لا حدّ لها وغير متناهية13. وينطبق هذا المعنى بجلاء على ما ورد في هذه الحيثيّة، بما أنّ الحكم الذي أوردته محكمة التّعقيب فيها جاء عامّا ينطبق على الكفالة موضوع النّزاع، ولكنّه ينطبق على غيرها من الضّمانات كالتّأمينات العينيّة المحدّدة بالنّصّ14 وكذلك التّأمينات الشّخصيّة غير المسمّاة والتي يمكن أن ينضوي تحتها كلّ ضمان قائم على إضافة ذمّة أو أكثر إلى ذمّة المدين15.
فما ورد في هذه الحيثيّة من حكم يكون قابلا للانطباق على الكفالة بوصفها أنموذج التّأمينات الشّخصيّة، وقابلا للانطباق أيضا على الأدوات التّعاقديّة التي تحقّق وظيفة الضّمان بصفة عارضة في نطاق نظريّة الالتزامات كتضامن المدينين وعدم تجزئة الدّين والحوالة النّاقصة16 والدّعوى المباشرة17 وكذلك على الضّمانات التي استحدثها التّطبيق المصرفيّ كالضّمان عند أوّل طلب18. وطالما أنّ تطبيقات التّأمينات الشّخصيّة قابلة للتّنامي، فإنّ عدم تناهيها يحتاج إلى مبدأ جامع يحكمها، وهو ما نجحت محكمة التّعقيب في صياغته شكلا.
8-2- أمّا من حيث مضمون المبدأ، فقد اعتبرت محكمة التّعقيب أنّ انتقاص الضّمانات التي يتمتّع بها المُقرض بسبب عدم التزام المقترض بإبرام عقد تأمين على الحياة لا يؤثّر سلبًا على التّأمينات العينيّة والشّخصيّة لبقائها نافذة وقابلة للتّفعيل. وهو ما يعني إغلاق الباب أمام الدّفوع التي من شأنها عرقلة إعمال هذه التّأمينات. فالكفيل غير مرخّص له إثارة الدّفع المتعلّق بعدم إبرام المقترض عقد تأمين على الحياة نظرا إلى عدم انتمائه أصلا إلى الدّفوع المبرئة للكفيل من التزامه19 كما ضبطها الفصل 1502 من مجلّة الالتزامات والعقود.
فوفق طالع هذا النّصّ، يجوز للكفيل "بأن يعارض الدّائن بما للمدين من أوجه المعارضة سواء تعلّقت بأصل الدّين أو بذات المدين". وبناءً على انتفاء الصّلة بين إبرام عقد التّأمين على الحياة وبين أصل دين القرض أو ذات المقترض، فإنّه لا يمكن للكفيل أن يدفع عنه المطالبة بأداء دين المدين الأصليّ بالتّمسّك بعدم تأمين هذا الأخير على حياته. لكن يبقى السّؤال مطروحا حول نطاق هذا المبدأ الذي أقرّته محكمة التّعقيب. فهل يُؤخذ المبدأ على إطلاقه ويُطبق أيّا كانت الضّمانات التي تمّ الانتقاص منها- تأمينات وغير تأمينات- أم يقتصر تطبيقه على الضّمانات من غير التّأمينات؟
9- تعود أهميّة طرح هذا السؤال إلى مكانيّة ضمان الدّائن دينه الواحد برهن وكفالة ثمّ يتنازل فيما بعد عن رهنه20، ليبقى الكفيل المسؤول الوحيد عن أداء ذلك الدّين نظرا إلى المفعول الانقضائيّ للتّنازل عن الحقّ العينيّ21. وتطبيقا لمبدأ عدم تأثير الانتقاص من الضّمانات العينيّة والشّخصيّة في بقاء ما بقي منها نافذا وقابلا للتّفعيل، يتعذّر على الكفيل الدّفع بتنازل الدّائن المرتهن عن دينه. لكن التّنسيب من هذا المبدأ يبقى أمرا ضروريّا لأنّ تطبيقه على إطلاقه يتعارض مع نظريّة السّبب الجائز في التّصرّف القانونيّ.
فكلّ تنازل وجب أن يكون له سبب جائز، ولذلك إذا كان الباعث الأساسيّ الدّافع إلى التّنازل غير مشروع أي مخالف للقانون أو الأخلاق الحميدة أو النّظام العام22 بطل التّنازل بطلانا مطلقا23. وفي هذا لا يختلف التّنازل عن غيره من التّصرّفات القانونيّة الأخرى، إذ يصبح السّبب عنصرا أخلاقيّا يحول دون استخدام وسيلة فنيّة مشروعة للوصول إلى أغراض غير مشروعة24. فلا شيء يبرّر تنازل الدّائن المرتهن عن رهنه بإرادة منفردة وما يترتّب عن ذلك من تعكير حظوظه في استخلاص دينه25 إلاّ رغبته في الانفراد بذمّة الكفيل والتّنفيذ عليها.
10- وتفاديا للوصول إلى هذه النّتيجة، ينبغي أن يكون مجال المبدأ الذي أقرّته محكمة التّعقيب خاصّا بالفرضيّة التي يكون فيها التأمين على الحياة قد اُنتُقِص من الضّمانات، ولا ينبغي أن يُعمّم على الفرضيّات التي يتمّ فيها التّقليص من التّأمينات لأنّ التّأمين والتّأمينات -وإن كان جناس لغة26- فهو كذلك جناس ضمانات27.