بقلم بديع بن عباس

التقاضي عبر الإجراءات الالكترونية في القانون التونسي

يد تمسك بهاتف ذكي شاشتة مليئة بالرموز واليد الثانية تنقر عليه - خلفية بها رموز مختلفة
Pixabay_Digitalisierung

لقد غزت المعلوماتية جميع الميادين، وأبقت آثارها على جميع الأنشطة، في المنزل والإدارة، في البحث والتعليم، في التجارة والمال والأعمال، وغيرت من طريقة عيش الإنسان، ولم يبق ميدانا خارجا عن دائرة هذا التأثير، وقربت العالم وجعلته قرية صغيرة يتم التخاطب فيها عن بعد وبسرعة فائقة (Badii Ben Abbès, La formation du contrat de vente sur internet, mémoire D.E.A., Faculté de Droit de Sfax, 2002.).

 

واستُعمل مصطلح المعلوماتية لأول مرة البروفيسور "MIKHAIHOV" مدير المعهد الاتحادي للمعلومات العلمية والتقنية "VINTTI" بالاتحاد السوفيتي سابقا في إطار ما سماه بعلم المعلومات العلمية "science of scientific information"، ثم تم استخدامه بعد ذلك على مستوى جغرافي واسع، وبمفاهيم متباينة، حتى أحصى له البعض أكثر من ثلاثين تعريفا مختلفا في الكتابات المتخصصة". (منية بن تراديت غمارسة، جرائم المعلوماتية في القانون التونسي، القانون المقارن والقانون الدولي، دار الكتاب تونس 2015، ص.4.).

لقد أضحت المعلوماتية واقعا ملموسا في عمل الإدارة والتجارة. وتسمح المعلوماتية بالنسبة إلى الإدارة بالتصرف الإلكتروني في المعطيات والتخلص من الآلاف المؤلفة من الأوراق والنصوص والدفاتر، سواء على مستوى تحرير الوثائق الإدارية والمطبوعات أو على مستوى حفظها أو أرشفتها. وهي أداة سهلة في تحقيق الإحصائيات وضبط التخطيط وغيرهما من الأعمال الإدارية المتنوعة. وأصبح من الممكن عوضا أن تجبر الإدارة على مسك الآلاف من الدفاتر والأذون والأوراق، أن تنقل نتيجة المعالجة بالقرص الصلب"Disque dur " أو بأشرطة ممغنطة"Bande magnétique" أو بأقراص لينة"Disquette"، إلى جانب تقنية الذاكرة الميتة "Mémoire morte"، وما يمكن أن يحدثه هذا المجال من تطور في مجالات الحفظ. وتعد المعلوماتية اليوم الأساس في الصناعة الحديثة وتنظيم الإنتاج وتصريفه وإدارة المؤسسات، بل إن الأنظمة المعلوماتية عوضت في جانب كبير نشاط الإنسان ودماغه وأصبح بالإمكان القيام بجميع هذه الأعمال عن بعد، وهو ما مكن نقل المعالجة الإلكترونية، مهما كان شكلها، من مكان إلى مكان في شكلها التفاعلي، وربطها ببعضها البعض، وإتمام جميع الأعمال عن بعد بفضل الشبكات المعلوماتية، وأدركنا أنه من الممكن تبعا لذلك، وتجاوزا للأنظمة المعلوماتية في حد ذاتها، الحديث عن الطب عن بعد والعمل عن بعد والتعليم عن بعد والتعاقد عن بعد، والإدارة عن بعد، والتجارة عن بعد، والتقاضي عن بعد إلى غير ذلك من الأعمال والمحتويات التي من السهل تمريرها عبر هذه الأنظمة بشكل إلكتروني دون حاجة إلى الرجوع إلى الوسائل المادية الورقية بالدقة المتناهية والسرعة الفائقة.

قديما كان الإنسان يحقق التواصل مع غيره عن طريق الرسائل المرقّمة على الألواح والأشجار والجلود وصولا إلى الأوراق. وفي عهد الإمبراطور الروماني "auguste" تم إحداث أول تنظيم بريدي على الأرض. وشكل التلغراف أول اكتشاف مكّن الإنسان فعليا من الاتصال عن بعد سنة 1834. ثم تم اختراع الهاتف من قبل "ANTONIO MEUCCI" سنة 1871. وبتطور الإعلامية تمكنت وزارة الدفاع الأمريكية من خلق أول شبكة " arpanet” في أواخر سنة 1960 بهدف استغلالها زمن الحرب.

وقد شكلت هذه التطورات ثورة اتصالية أولى، تلتها الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم حاليا. إذ يلاحظ اليوم تعدد وتنوع الشبكات، وأهمها الشبكة السلكية والشبكة الخلوية والشبكة الرقمية والشبكة الهرتيزية وشبكة الأقمار الصناعية. وحقق هذا التطور نقلة نوعية على مستوى المعلومات والبيانات التي أصبحت تتمظهر في شكل إشارات مرقمة أو أصوات أو صور متحركة أو غير متحركة أو نصوص أو بيانات معلوماتية.

وقد تولد الوعي في استعمال هذه الأدوات في تنظيم إدارة القضاء وإجراءاته وتهيأت له وسائل الدعم الوطنية والأوروبية والدولية في اتجاه تكريس الممارسة المعلوماتية الحقيقية ووضع البنية التحتية الفنية اللازمة للغرض بعدما أحاط المشرع الممارسة المعلوماتية بإطار قانوني ملائم (علي كحلون، "استخدام الوسائل الإلكترونية الحديثة إدارة القضاء وتنظيمه ومساهمتها في تسريع الإجراءات"، مجلة القضاء والتشريع عدد 9، نوفمبر 2012، ص.9 وما بعدها.).

وعلى ذلك الأساس أصبح من الممكن إنجاز معظم الإجراءات بأشكال إلكترونية في رقن الأحكام وتضمين المراحل الإجرائية على مستوى جميع المحاكم وتجميع فقه قضاء المحاكم بقاعدة بيانات، بل أصبح من الممكن الاطلاع عن بعد والتعرف على مآل الشكايات والمحاضر والدعاوى مهما كان طبيعتها وبذلك استعمال معظم التطبيقات الإلكترونية في تنظيم وإجراءات المحاكم، الاستعمال المستقل للحاسوب وللشبكات الخاصة والشبكات العامة وتنظيم قواعد البيانات (V. Issam YAHYAOUI, « Plaidoyer pour une transformation numérique de la justice en Tunisie », publié au Leaders.tn, le 17 avr.2020, en ligne sur : https://www.leaders.com.tn/article/29709-plaidoyer-pour-une-transformation-numerique-de-la-justice-en-tunisie).

إن الوصول إلى العدالة بيُسر، مرتبط أشد الارتباط بمدى توفر جودة الخدمات القضائية، فالجودة هي مسعى ومطلب لجميع فئات المجتمع، سواء العاملين بقطاع العدالة أو المستفيدين من خدماته. وهو ما يقتضي أولا تحديث وعصرنة قطاع العدل إدارة وتدبيرا وتسييرا، وأيضا تحديث أسسه وركائزه الأساسية خاصة المادية منها واللوجستية. وهو ما يمكن من تبسيط إجراءات التقاضي وتوفير الوقت والجهد وتخويل إسداء الخدمات عن بعد بمواصفات رفيعة وجودة عالية تجمع بين السرعة والدقة والتكلفة الأقل، فضلا على ضمان النزاهة والشفافية والمساواة أمام المرفق العام وتسهيل الوصول إليه.

لقد فرضت الإعلامية نفسها على الجميع وأثبتت جدواها في سائر المجالات، وقد بادر المشرع في مجلة الالتزامات والعقود بإقرار الحجة الإلكترونية كوسيلة قانونية للإثبات، ومن قبلها بالفصل 6 من مجلة التحكيم. كما قامت وزارة العدل بوضع برنامج يمكن المحامين من الاطلاع على فقه القضاء والمجلات القانونية عبر الحاسوب.

فقد مكن المشرع التونسي المتقاضي من مباشرة بعض الإجراءات بالطريقة الإلكترونية، وفي ذلك تيسير على المتقاضي وتخفيف الأعباء التي تتطلبها الدعوى، كما حاول التشريع التونسي مؤخرا مسايرة السياسات الجزائية المقارنة بمقتضى المرسوم عدد 29 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 (الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد54 المؤرخ في 10 جوان 2020. ص. 1404-14070)، المتعلّق بنظام المراقبة الإلكترونية في المادة الجزائية. وكذلك المرسوم عدد 12 المؤرخ في 27 أفريل 2020(الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد36 المؤرخ في 30 أفريل 2020.ص. 1306-1309.)، المتعلق بإتمام مجلة الإجراءات الجزائية الذي منح السلطة القضائية إمكانية استعمال وسائل الاتصال السمعي البصري في المحاكمة الجزائية أو ما يُعرف بالمحاكمة عن بعد وذلك على إثر إعلان منظمة الصحة العالمية لوباء كورونا المستجد (كوفيد-19) وباءً عالميا.

كما برزت بوادر قبول المشرع التونسي بالوثيقة الإلكترونية كشكل لا مادي يحفظ حق الأطراف ويعوض الصيغ المادية من كتابة وشفاهة بالفقرة الثانية من الفصل 6 من مجلة التحكيم التونسية والتي صدرت بموجب القانون عدد 93-42 بتاريخ 26أفريل 1993(الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد33 المؤرخ في 4 ماي 1993، ص. 58). وقبول اللامادية بالإقرار بالكتب الإلكتروني كوسيلة إثبات بموجب القانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000(الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد48 المؤرخ في 16 جوان 2000.ص.1484 وما بعد)، إضافة إلى إدراج عقد التجارة الإلكترونية في المنظومة القانونية التونسية بموجب القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرخ في 9 أوت 2000 يتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية (الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، عدد64 المؤرخ في11 أوت 2000.ص.2084).

وتعددت النصوص القانونية والتطبيقات القضائية التي تعترف بالوثائق الالكترونية والاجراءات القانونية عن بعد (جزء أول)، وانطلق تفعيلها في شكل محاكمات قضائية (جزء ثان).

الجزء الأول: الاعتراف القانوني بالإجراءات الالكترونية

لقد اعترف المشرع التونسي باللامادية التي كرستها التجارة الالكترونية المنظمة بالقانون المؤرخ في 9 أوت 2000، وقد سبقته عدة نصوص تكرس التعامل عن بعد وتقر بصحة الوثائق الرقمية واعتمادها في إجراءات التقاضي (فرع أول). وتتالت القرارات التعقيبية التي تعترف بالتعامل اللامادي والإجراءات التي تتم عن بعد (فرع ثان).

الفرع الأول: اعتراف المشرع بالإجراءات الالكترونية

برزت بوادر قبول المشرع التونسي بالوثيقة الإلكترونية كشكل لا مادي يحفظ حق الأطراف ويعوض الصيغ المادية من كتابة وشفاهة بالفقرة الثانية من الفصل 6 من مجلة التحكيم التونسية والتي صدرت بتاريخ 26أفريل1993. فقد اعترف المشرع التونسي صلب هذا الفصل باتفاقية التحكيم دون التوقف على شرط الكتابة، معطيا إياها شكلا متسعا، فتعتبر اتفاقية التحكيم ثابتة بكتب متى وقع تبادل الوثائق بين الأطراف كالرسائل والتلكسات والبرقيات وبأي وسيلة اتصال أخرى. أي إنّ المشرع التونسي لم يشترط شكلا محددا لصحة اتفاقية التحكيم، وترك المجال فسيحا للأطراف لاختيار الشكل الذي يستجيب لاختياراتهم دون حشرهم في صيغة مادية محددة. وهذا الحل ينسجم مع التطورات الرقمية الحاصلة في مجال الاتصالات والتخاطب الحديثة، ومع جل المعاهدات الدولية المتعلقة بالتحكيم والتي لا تشترط شكلا معينا لصحة اتفاقية التحكيم أو لإثباتها بل إنّ بعضها يسوي بين الكتابة الإلكترونية والكتابة الورقية.

وتَدَعّم قبول اللامادية من قبل المشرع بإقرار الكتب الإلكتروني كوسيلة إثبات بموجب القانون عدد 57 لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000، وعرّف الفصل 453 مكرر الوثيقة الإلكترونية بأنها "الوثيقة المتكونة من مجموعة أحرف وأرقام أو أيّ إشارات رقمية أخرى بما في ذلك تلك المتبادلة عبر وسائل الاتصال تكون ذات محتوى يمكن فهمه ومحفوظة على حامل إلكتروني يؤمن قراءتها والرجوع إليها عند الحاجة". إضافة إلى إدراج عقد التجارة الإلكترونية في المنظومة القانونية التونسية بموجب القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرخ في 9 أوت 2000 يتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية.

كما تجدر الإشارة إلى أن المشرع التونسي مكّن المتقاضي من رفع دعواه أمام قاضي الضمان الاجتماعي بواسطة وثيقة إلكترونية، حيث جاء بالفصل 9 من القانون عدد 15 لسنة 2003 المؤرخ في 15/02/2003 أن الدعوى ترفع أمام قاضي الضمان الاجتماعي "بتصريح شفوي يتلقاه كاتب المحكمة أو بمقتضى مطلب كتابي يقدم مباشرة لكتابة المحكمة أو يوجه عن طريق البريد بواسطة مكتوب مضمون الوصول أو وثيقة إلكترونية موثوق بها".

كما أن الربط بين المنظومات سمح كذلك بالاتصال بين كتابات المحاكم وإنجاز الإجراءات في وقت قياسي، فقد مكن المشرع بعد تنقيح مجلة المرافعات المدنية سنة 2007، من تقديم مطلب التعقيب إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه بعدما كان يقدم لكتابة محكمة التعقيب. وفرض على كاتب المحكمة الذي تلقى عريضة الطعن أن يعلم بها فورا كتابة محكمة التعقيب بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا ويدخل في ذلك جميع الوسائل الالكترونية.

كما مكن المشرع التونسي المتقاضي من مباشرة بعض الإجراءات بالطريقة الإلكترونية، وفي ذلك تيسير على المتقاضي وتخفيف الأعباء التي تتطلبها الدعوى، كما حاول التشريع التونسي مؤخرا مسايرة السياسات الجزائية المقارنة بمقتضى المرسوم عدد 29 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020، المتعلّق بنظام المراقبة الإلكترونية في المادة الجزائية. وكذلك المرسوم عدد 12 المؤرخ في 27 أفريل 2020، المتعلق بإتمام مجلة الإجراءات الجزائية الذي منح السلطة القضائية إمكانية استعمال وسائل الاتصال السمعي البصري في المحاكمة الجزائية أو ما يُعرف بالمحاكمة عن بعد وذلك على إثر إعلان منظمة الصحة العالمية لوباء كورونا المستجد (كوفيد-19) وباءً عالميا، ولئن تمت القاعدة اللاتينية القائلة بأن "الضرورة تخلق قانون اللحظة" إلا أنه لا بد من تفعيل المحاكمة عن بعد وتعميمها وتجاوز الصعوبات التقنية والثغرات القانونية.

واعترف المشرع التونسي بالقوة الثبوتية للوثيقة الإلكترونية منذ تعديل مجلة الالتزامات والعقود في 13 جوان 2000. وهو إقرار بمشروعية التعامل الالكتروني. فالمشرع التونسي ربط بين التدوين الإلكتروني وصلته بمن أمضى عليه وضرورة حفظه للقول بصحته وللإقرار بثبوتيته (بديع بن عباس، "القوة الثبوتية للوثيقة الإلكترونية"، مجلة القضاء والتشريع عدد 9، نوفمبر 2003، ص.8 وما بعدها.). وكلما توفرت الشروط القانونية تماثلت الخطابات الإلكترونية مع الخطابات الورقية. فبعد شيوع استخدام تقنيات المعلوماتية والاتصالات في إنجاز الأعمال الإلكترونية وإبرام العقود وتنفيذها عبر شبكة الإنترنت، اتجه التفكير إلى استخدام نفس هذه التقنيات الإلكترونية في التقاضي ولتسوية ما قد ينشأ عن هذه الأعمال من منازعات (A.Brahimi, « arbitrage et médiation dans le commerce électronique», in colloque L’arbitrage A l’Ere de la mondialisation » p.55 et suivant.).

وأسوة بتجارب الدول المقارنة، حان الوقت لاعتماد الإعلامية في الإجراءات والاستئناس بها لإيجاد حلول عملية تضمن السرعة وربح الوقت والاقتصاد في المال والتخفيف من الأعباء الورقية التي ستصبح حتما في العديد المجالات، و خاصة في القضاء، من ذكريات الماضي آجلا أو عاجلا (شهاب الغزواني، الوسائل الإلكترونية و الإجراءات ، أعمال ملتقى حول خمسينية مجلة المرافعات المدنية و التجارية، مجلة القضاء و التشريع عدد 7 السنة 52 جويلية 2010 ص .147.).

الفرع الثاني: اعتراف فقه القضاء بالإجراءات الالكترونية

اعتراف فقه القضاء التونسي بالإجراءات الإلكترونية، ساير التطور التشريعي – ولئن كان محدودا-وكذلك التطور التكنولوجي، فلم يسمح القاضي لنفسه أن يبقى مكبلا بإرث الماضي أمام نسق تطور ديناميكي، فوجد نفسه محمولا على مواكبة هذا النسق وتسخير زاده القانوني لتطويع النصوص والإجراءات القانونية لمسايرة ما يفرضه الواقع اللامادي من تأثيرات على حقوق المتقاضيين. وفي هذا الإطار صدرت عدة قرارات عن محكمة التعقيب التونسية قبلت فيها صراحة بالصيغة اللامادية.

-القرار التعقيبي عدد 60887 الصادر بتاريخ 8 أفريل 2019(منشور بموقع محكمة التعقيب www.cassation.tn )، واعترفت فيه محكمة التعقيب بالقوة الثبوتية للوثائق الالكترونية واشترطت حفظها وتدعيمها بإمضاء الكتروني للارتقاء بها إلى مصاف الحجة الكتابية غير الرسمية. وأوردت بتعليلها ما يلي "وحيث لا خلاف في أن الرسائل الالكترونية تعتبر قانونا من الوسيلة المعتمدة للإثبات رجوعا إلى الفصل 453 مكرر الذي عرفها بكونها " الوثيقة المتكونة من مجموعة أحرف وأرقام أو أية إشارات رقمية أخرى بما في ذلك تلك المتبادلة عبر وسائل الاتصال تكون ذات محتوى يمكن فهمه ومحفوظة على حامل إلكتروني يؤمن قراءتها والرجوع إليها عند الحاجة وتعد الوثيقة الإلكترونية كتبا غير رسمي إذا كانت محفوظة في شكلها النهائي بطريقة موثوق بها ومدعمة بإمضاء إلكتروني".

وأكدت محكمة التعقيب أنه، ولئن كانت محكمة الأصل حرة في تقديرها لوسائل الاثبات المعروضة عليها، إلّا أنه يكون لزاما عليها أن تلتزم بالشروط القانونية التي أوجب المشرع توفرها في الدليل حتى يعتد به قانونا في الاثبات. وانتهت إلى أنه كان اعتماد محكمة الأصل على الرسائل الالكترونية كوسيلة للإثبات مبررا في مبدئه، إلا أنه قد كان عليها-أمام منازعة المعقبة الآن في وقوع إعلامها بموجبها-أن تتحرى في توفر تلك الرسائل لشروط اعتمادها، ضرورة أن الاعتراف بالوثيقة الالكترونية في الاثبات يوجب توفر شروطا محددة جاءت بها الفقرة الثانية من الفصل 453 مكرر م ا ع التي تنص على أنه "تعد الوثيقة الالكترونية كتبا غير رسمي إذا كانت محفوظة في شكلها النهائي بطريقة موثوق بها ومدعمة بإمضاء إلكتروني". ولم تتحرّ المحكمة في استيفاء الرسائل المعروضة عليها لشروط اعتمادها في الاثبات-وهما أن تكون محفوظة على نحو موثوق به وأن تكون مدعمة بإمضاء الكتروني، وهو ما يجعل قضائها على أساسها ضعيف التعليل.

-القرار التعقيبي عدد 20658 الصادر بتاريخ 05/02/2015(قرار غير منشور)، وقد جاء بحيثيات هذا القرار ما يلي:

" وحيث أنّه من المعلوم أن الأنظمة القانونية قد تأسست في مادة الإثبات على مبدأ تفوق الوثيقة الورقية والذي ظل يحكم المعاملات على مدى فترات زمنية معينة وهو ما يتجلى في ما أثبته المشرع التونسي لنظرية الإثبات على أهمية الكتائب التي تبقى أثرا مكتوبا غير أن مواكبة التطور ومراعاة ضرورة تفاعل القاعدة القانونية مع كل ما يطرأ جعل المشرع التونسي يتدخل لملاءمة الأحكام المتعلقة بوسائل الإثبات مع ما أفرزته الثورة الرقمية لتنقيح مجلة الالتزامات والعقود بموجب القانون عـ57ـدد لسنة 2000 المؤرخ في 13 جوان 2000 ليقر بالوثيقة الإلكترونية كوسيلة معتمدة للإثبات وذلك بإضافة الفصل 453 مكرر الذي أقر بحجية الوثيقة الإلكترونية كوسيلة من وسائل الإثبات تكريسا منه للتوسع في مفهوم وسائل الإثبات المعتمدة قانونا في نطاق تطور مجال الاتصالات.

وحيث أن رسائل البريد الإلكتروني تمثل وثيقة إلكترونية معتمدة كوسيلة إثبات لاستجابتها للتعريف الوارد بالفصل 453 مكرر".

وهو ما جرى عليه عمل دوائر محكمة التعقيب بخصوص الفاكس ملاءمة للأحكام المتعلقة بوسائل الاثبات مع الثورة الرقمية:

-القرار التعقيبي عدد28206 بتاريخ 5 نوفمبر 2015(غير منشور).

«وحيث أن رسالة الفاكس التي استندت اليها المعقب ضدها ومثلما انتهت اليه محكمة الحكم المطعون فيه تقيم الدليل على تعمير ذمة المعقبة بمبلغ التعويض المطلوب طالما ان الفاكس وخلافا لما ورد بالمطاعن انما هو تقنية تمكن من نقل محتوى وثيقة من مكان الى آخر بطريقة الكترونية كما يخول ارسال بعض النصوص الممضاة في زمن قياسي وهي تقنية تمكن بالأساس من نقل نص أصلي بصفة مباشرة مع بيان هوية المرسل»،

-القرار التعقيبي عدد 22338 الصادر بتاريخ 22/01/2009 (قرار غير منشور) والذي جاء في حيثياته ما يلي: " أن تعبئة الوثائق بالتوثيق الفيلمي المشفر أو تخزينها بالحاسوب الإلكتروني تعتمد نفس تقنية النسخ الفوتوغرافي إذ أن الهدف منها هو استخراج نسخ ورقية من الوثائق المخزنة وخير دليل على ذلك تقنية التخزين بواسطة السكانار. كما أن المخاوف من إمكانية تعمد إدخال تغيير على النسخة المصورة سواء بالحذف أو التغيير أو الإضافة أو الإقحام لا يمكن أن يقوم حجة على استبعاد تطبيق الفصل 470 من مجلة الالتزامات والعقود..."

وكان للدوائر المجتمعة لمحكمة التّعقيب سنة 2009 أن أبدت موقفها بخصوص الفاكس، فأكّدت صلب القرار التّعقيبي المدني الصّادر عن دوائرها المجتمعة بتاريخ 26 فيفري 2009 تحت عدد 271(نشرية محكمة التعقيب " قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب لسنتي 2008-2009" الصادرة عن مركز الدراسات القانونية والقضائية، ص 221.) أنّ الفاكس يُمثل تقنية تمكّن من نقل محتوى وثيقة من مكان إلى آخر بطريقة إلكترونيّة، كما يُخوّل إرسال بعض النصوص الممضاة في زمن قياسي، وهي تقنية تُمكّن بالأساس من نقل نصّ أصلي بصفة مباشرة مع بيان هويّة المُرسل، وهو ما يُجيز القول إنّ الوثيقة المتحصّل عليها بطريقة الفاكس هي بمثابة الكتب الأصلي ولها حجيّة في الإثبات.

كما صدر القرار الاستئنافي عدد 22267/22268 عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 29 جانفي 2019(قرار غير منشور) والذي تعلق فيه الطلب بالدفع باستناد الحكم المطعون فيه لشرط تحكيمي باطل. وطبقت الفصل 6 من مجلة التحكيم معتبرة أنه لا تثبت اتفاقية التحكيم إلا بكتب سواء كان رسميا أو خط يد أو محضر جلسة أو محضر محررا لدى هيئة التحكيم التي وقع اختيارها. وتعتبر الاتفاقيات ثابتة بكتب إذا وردت في وثيقة موقعة من الأطراف "أو تبادل رسائل أو تلكسات أو برقيات أو غيرها من وسائل الاتصال التي تثبت وجود الاتفاقية أو في تبادل ملحوظات الدعوى وملحوظات الدفاع التي يدعي فيها أحد الأطراف وجود اتفاق ولا ينكره الطرف الآخر". وتعتبر الإشارة في عقد من العقود إلى وثيقة تشتمل على شرط تحكيمي بمثابة اتفاقية تحكيم شرط أن يكون العقد ثابتا بكتب وأن تكون الإشارة قد وردت بحيث يجعل ذلك الشرط جزءا من العقد.

الجزء الثاني: تكريس المحاكمات عن بعد

تفعيلا للنصوص القانونية التي اعترفت بالتعامل اللامادي وبرقمنة الاجراءات وللتطبيقات القضائية التي قبلت الاجراءات الالكترونية، فقد حان الوقت لتجسيد كل ذلك عبر التقاضي الالكتروني سواء في المحاكمات الجزائية (فرع أول) أو في القضايا المدنية (فرع ثان).

الفرع الأول: المحاكمات الجزائية عن بعد

راج في الفترة الأخيرة الحديث عن "المحاكمة عن بعد" خاصة في المادّة الجزائيّة وتعددت التقييمات والمناقشات حول المبادرة التي جاء بها المرسوم عدد 12 الصادر عن رئيس الحكومة بتاريخ 27 أفريل 2020 والمتعلق بإتمام مجلة الإجراءات الجزائية والذي أقر إمكانية أن تكون المحاكمة الجزائيّة عن بعد. وقد فعّلت عديد المحاكم المحاكمة باستعمال الوسائط الإلكترونية على غرار محاكم ابتدائية تونس وسوسة وزغوان وصفاقس مستغلة الظرف الصحي الصعب للبلاد بسبب تفشي وباء كورونا.

والمحاكمة عن بعد أو عبر (vidéo conférence) هي المحاكمة التي تتمّ بإحدى وسائل الاتصالات السمعية والمرئيّة الحديثة، فيتم نقل الصّوت والصّورة لشخص أو لمجموعة من الأشخاص (الموقوف أو المتّهمين، محاميه...) في مكان ما إلى مجموعة أخرى من الأشخاص المجتمعين في مكان آخر (القاضي أو هيئة المحكمة). وتتطلب هذه التقنية وجود إنترنت ذات سرعة عالية وميكروفونات وسماعات ذات جودة أيضا وكذلك كاميرات الويب (webcam) وبذلك يستطيع المشاركون في المحاكمة سماع ورؤية الطرف الآخر في نفس الوقت كما لو كان الاجتماع في نفس الحجرة وليس في مكانين متباعدين (نادر الزغل، المحاكمة الجزائيّة عن بعد خطوة نحو تطوير أساليب العدالة في تونس، مجلة الأخبار القانونية، عدد جوان 2020.).

وتتميّز المحاكمة عن بعد بعدة مزايا لعل أهمها الخروج من الطابع التقليدي بهدف استثمار التطور التكنولوجي في خدمة العدالة الجزائيّة والعدالة ككل. إذ توفّر تقنية (vidéo conférence) الكثير من الوقت والمشقة وتوفر عناء ومخاطر نقل المساجين إلى قاعة المحكمة فضلا عن تكلفتها الزهيدة، كما تمكّن أيضا من توفير أنجع ظروف التواصل الجيّد بين هيئة المحكمة والموقوف ومحاميه وقادرة على تقديم صورة واضحة وجليّة لظروف سير الجلسة وتفادي الاكتظاظ في المحاكم وتخفيف ضغط سير الجلسات على القاضي وهيئة الدّفاع. وتبرز مزاياها أكثر في الظروف الاستثنائية أي في حالة الخطر الملمّ التي أشار إليها الفصل 141 مكرّر من م. إ. ج وفي ظروف انتشار أحد الأمراض السارية وهي صورة الحال التي تقتضي تطبيق هذه التقنية للتّوقي من مخاطر العدوى بفيروس كوفيد-19.

ولكن لئن وقع تكريس المحاكمة عن بعد في المادّة الجزائية مؤخّرا بمقتضى المرسوم عدد 12 لسنة 2020 المؤرخ في 27 أفريل 2020 والمتعلق بإتمام مجلة الإجراءات الجزائية والذي يندرج في زمرة النصوص التي وقع سنها لغاية مجابهة تداعيات انتشار الوباء العالمي، استنادا إلى القانون عدد 19 المؤرّخ في 12 أفريل 2020 المعروف بقانون التفويض. أضاف المرسوم عدد 12 الفصل 141 مكرّر للمجلّة المذكورة، في فصل وحيد ذي ثماني فقرات، إلا أنها تقتصر فقط على المحاكمة الجزائيّة دون غيرها من الميادين الأخرى المدنية أو التّجاريّة وعلى مرحلة المحاكمة دون المراحل التحضيرية الأخرى وهو ما اعتبره البعض من نقائص المرسوم.

ولعلّ أهم نقيصة شابت هذا المرسوم هو نطاقه الضيّق الذي يشمل المادّة الجزائية دون غيرها من أصناف المرافعات العدلية الأخرى (مدني، تجاري، ...)، كما يتعلّق فقط بالمتهمين المودعين بالسّجن دون الذين هم في حالة سراح ودون بقيّة أطراف الدّعوى الجزائية من متضررين أو قائمين بالحق الشخصي كما يقتصر فقط على مرحلة المحاكمة دون المراحل التحضيريّة الأخرى من تحقيق ومكافحات وسماع شهود وجلسات صلح... وغيرها.

هذا المرسوم سكت أيضا عن الإجراءات المتعلقة بحضور الشهود والخبراء وغيرهم. وبناء عليه يستحسن سحب إجراء التّواصل عن بعد على كامل الإجراءات القضائيّة دون حصرها في صورة المحاكمة. ومن المآخذ أيضا شرط "موافقة المتهم" والذي تم تكريسه كضمانة لكرامة وشخص المتهم يعتبر في تقديري من القيود التي قد تمنع تطبيق المحاكمة عن بعد في الظّروف العادية باعتبار أن الموافقة غير مطلوبة في الظّروف الاستثنائية (خطر ملمّ، مجابهة وباء...) مثلا. إذ قد يرفض المتهم في الظّروف العادية أن تقع محاكمته عن بعد والمرجّح أن يفضّل أغلب الموقوفين الحضور المباشر في المحكمة، على المحاكمة عن بعد، في الظروف العادية، إذ أنها تضمن توفر شرط العلنيّة وقدرة الموقوف على التّعبير المباشر وتمرير مشاعره للدّفاع عن نفسه أمام هيئة المحكمة التي تقضي حسب وجدانها الخالص. مما يرجع بنا لنقطة البداية وسيبقى تطبيق المحاكمات عن بعد مرتبطا بصورتي الخطر الملمّ أو لغاية التّوقي من أحد الأمراض السارية وهو ما سيحدّ كثيرا من جدوى تطبيق هذه الآلية ويحد من حظوظ تعميمها للعمل بها كمبدأ وليس كاستثناء.

ويعد مرسوم المحاكمة عن بعد خطوة هامّة ومتأكّدة في إطار تكريس تطوير أساليب العدالة في تونس ويندرج في إطار رقمنة العدالة، إلا أنها كانت هناك فرصة لسن نص قانوني متكامل وشامل لرقمنة العدالة(نادر الزّغل، " حقّ التّقاضي من رهانات دولة القانون"، مداخلة ألقيت في يوم دراسي بعنوان " القانون والحريات"، نظمه المعهد العالي للدّراسات القانونية والسياسية بالقيروان بالاشتراك مع غرفة عدول التنفيذ بسوسة، يوم 6 ديسمبر 2014، منشور بمجلّة بحوث ودراسات قانونية، تصدرها جمعيّة الحقوقيين بصفاقس، العدد 9 لسنة 2014، مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المختص، تونس 2014، ص ص 61-98، خاصة ص. 78.). على غرار عديد القوانين المقارنة مثل الجزائر، الأردن، المغرب، قطر وفرنسا... وغيرها. بما من شأنها تيسير التقاضي في جميع المواد القانونية من خلال اختزال طول الإجراءات وتقليص تراكم الملفات بما أن معالجتها ستصبح إلكترونية ممّا يخفّف الضغط على كتابة المحكمة ويحسن خدماتها تجاه المتقاضي ويضمن رهان تحقيق فصل القضايا في أجل معقول من أجل تحقيق قضاء سريع وناجز.

الفرع الثاني: المحاكمات المدنية عن بعد

تنفيذا لمشروع رقمنة العدالة توجد منظومة للإجراءات المدنية في طور التصميم. وتتمثل المنظومة المزمع احداثها في إنشاء نظام إدارة القضايا إلكترونيا من خلال تطوير منصات إلكترونية للتبادل والتواصل بين الإدارة القضائية والدفاع، وانفتاح الإدارة القضائية على محيطها ببروتوكولات التبادل الالكتروني التي من شأنها تسهيل عمل المحاكم وتقريبه وتمكين المحامين من مباشرة إجراءات التقاضي عن بعد بتحديد المذكرات والتوصّل بالاستدعاءات ومباشرة الإجراءات المتعلقة بالقضية والاطلاع على المؤيدات وتبادل التقارير واجراء الاختبارات والتصريح بالأحكام ونشرها وتسجيلها إلكترونيا دون حاجة للتنقل للمحكمة.

ولا بد من خلق فضاء رقمي محمي يمكّن من تبادل التقارير الالكترونية بأنواعها وتقوم وزارة العدل حاليّا بتصميم وإنجاز ثلاث منظومات:

1- J-drive وهو فضاء رقمي يمكّن تفعيله من تبادل الوثائق الرقمية بين جميع مكونات المنظومة القضائية.

2- J.box وهو صندوق بريد رقمي أوهي خدمة ينخرط فيها المتقاضي (في كل قضية على حده) أو المحامي دوريا (سنويا) وتمكنه الخدمة من الحصول على مآل الأحكام بمكتبه حينيّا.

3- J.sign وهي منظومة الإمضاء الإلكتروني، وقد تم اقتناء حوالي خمسة عشر ألف شهادة إمضاء الكتروني سيقع توزيعها على جميع القضاة والكتبة وسيتم استغلالها في إمضاء الأحكام القضائية والوثائق القضائية كالتقارير الشهرية مثلا.

كما تعتزم وزارة العدل إنجاز فضاء رقمي يمكّن المحامين وعدول التنفيذ وجميع مساعدي القضاء من التواصل مع المنظومتين الجزائية والمدنية بإيداع الوثائق في فضاء مخصّص لكل قضيّة عبر منظومة jDeposit:

- j-Deposit وهو فضاء رقمي يمكّن تفعيله من تبادل الوثائق الرقمية نحو فضاء مخصّص لكل قضية خلافا لمنظومة J.box التي تمكّن من التواصل من المحكمة إلى المتداخلين في القضية (أطراف، محامين، خبراء، عدول تنفيذ، الخ)

كل ذلك في انتظار مشروع مجلة الاتصالات، وتتمثل أهم ملامح مشروع قانون مجلة الاتصالات الإلكترونية في تحديث للنصوص المنظّمة للمبادلات والتجارة الإلكترونية. ومن بين أهم المسائل الجديدة:

*اعتبار الحجة الإلكترونية حجة رسمية.

*اعتبار النسخة الإلكترونية من الوثيقة الورقية نسخة مطابقة للأصل.

*إمضاء إلكتروني معزز وإمضاء إلكتروني موثوق به،

* خدمة التراسل الإلكتروني مضمون الوصول وخدمة التراسل الإلكتروني مضمون الوصول الموثوق بها،

*خدمة الأرشفة الإلكترونية وخدمة الأرشفة الالكترونية الموثوق بها،

*مفهوم جديد وهو الحياد الالكتروني.

*ظهور مفهوم حوكمة الإنترانت، وتنظيم الإجراءات الإدارية عن بعد...

غير أنه لا بد من اعداد الأرضية أي الفضاء الإلكتروني أو الرقمي في انتظار القانون. ويمكن تقديم التصورات التالية:

-شهادة امضاء الكتروني لابد أن يتحوز بها الطالب اذا أراد فتح قضية عن بعد

- كل قضية يمكن فتحها في J.deposit بعد الانخراط في هاته الخدمة.

- ضرورة انخراط المحامي في ذات المنظومة الإلكترونية إذا أراد إيداع تقاريره الكترونيا دون التحول إلى المحكمة.

- يتم التعرف على المحامي من خلال بطاقة مهنية بها امضائه الإلكتروني.

- ضرورة وجود امضاء الكتروني لكل قاض لإمكانية ايداع الأحكام الكترونيا و امضائها عن بعد من جميع أطراف الهيئة قبل ادراجها بمنظومة الأحكام دون استعمال الماسح الضوئي.

وتنطلق إجراءات رفع الدعوى المدنية بما يلي:

- يتولى المحامي إيداع عريضة دعواه بالمنظومة المدنية J.deposit والحصول من أول وهلة على عدد القضية.

- يتولى محامي الطالب استدعاء خصومه بالعنوان المادي أو العنوان الإلكتروني.

والجدير بالذكر أن في دول مقارنة كبلجيكا مثلا لكل مواطن عنوان مادي وآخر الكتروني منصوص عليه ببطاقة تعريفه ومضمن به امضاءه الإلكتروني والبيانات المتعلقة بها. وفي البيانات يوجد تعبيره على قبوله الإعلامات أو الاستدعاءات بالفضاء الإلكتروني المعتبر مقرا قانونيا الكترونيا. ويجوز تبليغ الاستدعاء إليه بالعنوان المذكور. وهو نظام يقترب من المنظومات البنكية المضمنة بها الهويات والمقرات الإلكترونية.

وفي تونس، حاليا الاستدعاء الإلكتروني غير ممكن لعدم وجود مقرات رسمية الكترونية. وبالتالي التبليغ يكون بطريقة مادية بواسطة عدل تنفيذ، لكن يمكن اختزال الإجراءات والتغلب على انعدام المقرات الإلكترونية باتباع الطريقة التالية:

المحامي بعد إيداع العريضة إلكترونيا والحصول على عدد القضية يمكنه أن يرسلها لعدل المنفذ الكترونيا. يتولى أنذاك عدل المنفذ التبليغ ماديا، إلا أنه يرسل نسخة من الإعلام تكون الكترونية. وهنا لا بد أن يكون العدل المنفذ أيضا متحوزا ببطاقة الكترونية. ولعدل التنفيذ أن يرسل نسخة الإعلام إما للمحامي والأفضل إدراجها مباشرة بالملف الإلكتروني باعتباره متحوزا بعدد القضية.

وتنطلق الإجراءات التنازعية بحضور المطلوب أي المستدعى في الملف الإلكتروني. وبالتالي عليه أن ينخرط في المنظومة الإلكترونية القضائية أو تكليف محام منخرط للدفاع عنه.

وفي مرحلة تبادل التقارير لا بد من خلق عمليتين: عملية إيداع dépôt وعملية اطلاعConsultation . وتخضع الإجراءات في كل قضية إلكترونية إما لعملية إيداع أو عملية اطلاع دون أن يتم تبادل التقارير بصفة مباشرة وشخصية، وهو ما يمكن من الاطلاع الفوري على التقارير أو الإجراءات المتخذة في الملف.

أما الأعمال التحضيرية كالاختبارات فيمكن مباشرتها الكترونيا كما يلي:

- يتم تحرير مأمورية الاختبار ويقع إعلام الخبير والأطراف الكترونيا.

- الخبير يجب أن يكون منخرطا بالمنظومة القضائية.

- للخبير الاطلاع على الوثائق التي تهم الاختبار ويتم فتح مجال له Accès في القضية.

- الخبير يودع تقرير الاختبار الكترونيا ليس في القضية وإنما لدى الدائرة أو ويتولى القاضي الذي كلف الخبير بتعديل أجرته. وبعد التعديل تعلم المحكمة الخبير الكترونيا بالتسعيرة. ويتم إضافة وصل الخلاص الكترونيا من الخبير أو الطرف المطالب بالخلاص، أنذاك يتم إضافة الاختبار للقضية الإلكترونية.

وبخصوص طور المرافعة، فإنه يتم تعيين جلسة المرافعة وإعلام المحامين بها. ويمكن للمحامي أن يتمسك أو أن يطلب التمديد إلكترونيا إلى أن يتم صرف القضية للمفاوضة. أنذاك يتم صياغة نص الحكم إلكترونيا، وكذلك إمضاءه إلكترونيا من الهيئة ويُضاف للملف ويُرسل إلكترونيا للأطراف عن طريق البريد الالكتروني jBox. كما يتم إرساله إلى منظومة j.jugements أي منظومة التصرف الالكتروني في الأحكام. وتمر لائحة الحكم بالمراحل التالية:

-تحرير لائحة الحكم مرقمنة وموجودة بالمنظومة.

-لا بد من تسجيل لائحة الحكم بالقباضة المالية. ويتم إرسال مضمون الحكم لإعلام القباضة بصدور الحكم وتمكينها من الاطلاع عليه عن بعد.

-الطرف المحكوم لفائدته عليه التوجه للقباضة بعدد الحكم لدفع معاليم التسجيل.

-القباضة المالية عند قبض المال تتولى إعلام المحكمة بعدد وصل الخلاص.

-أنذاك يحق للمعنيين بالأمر الاتصال ماديا للحصول على نسخة تنفيذية التي يتم استخراجها من منظومة الأحكام.

-في منظومة الأحكام يتمّ التنصيص على وقوع تسليم نسخة تنفيذية من الحكم.

-عدل المنفذ يتولى الاعلام بالحكم ويضيف ما يفيد الاعلام بالملف الالكتروني.

ويكون الاستئناف ضرورة من المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم وتحوزت بالملف الالكتروني. ونفرق على المستوى الاجرائي بين حالتين:

- في صورة عدم الاستئناف: المدعي له استخراج شهادة في عدم الاستئناف وغيرها من الشهائد مباشرة من الملف الالكتروني.

-في حالة الاستئناف : يُغلق الملف بالابتدائي ويتم حفظه الكترونيا ويُفتح بالاستئناف.

والجدير بالملاحظة أنه لا بد من إدراج رقم بطاقة تعريف الطالب بعريضة الدعوى واعتبارها تنصيصا وجوبيا، وذلك حتى يتم التعرف عليه إلكترونيا، ولا حاجة له عند التقاضي من جديد لإعادة تضمين بياناته بالمنظومة ربحا للوقت وتفاديا لما قد ينجر من أخطاء. ومن شأن الاجراء المذكور أن يساهم في تسهيل تسجيل الأحكام بالقباضة المالية ومتابعة استخلاص المعاليم الموظفة على الأحكام القضائية. ويمكن للقباضة أن تتمكن من معرفة الطالب من بطاقة تعريفه ومقاومة التهرب الجبائي.

وتتلاءم تلك التصورات الإجرائية والمقترحات القانونية مع مشروع رقمنة المحاكم التونسية المزمع إنجازه، وهو الآن في مراحل تقنية متقدمة بعد تركيز عدة منظومات بمحاكم التعقيب واستئناف تونس والمحاكم الابتدائية ومحاكم النواحي الراجعة بها بالنظر في تجارب نموذجية يتم تعميمها لاحقا ضمانا لجودة العدالة.